روسيا تقترب من السيطرة على بلدات أوكرانية محورية
كونستانت ميهو- نيويورك تايمز
Wednesday, 11-Feb-2026 06:48

على مدى أكثر من عام، خاضت القوات الروسية معارك عنيفة في ساحات القتال داخل أوكرانيا من دون أن تتمكن من الاستيلاء على أي معقل حضري واحد. لكنّ هذه التقدّمات الاستنزافية باتت اليوم على وشك أن تؤتي ثمارها. فبحسب خبراء عسكريّين وجِهات مستقلة تراقب سَير المعارك، تبدو روسيا مستعدة لاستكمال السيطرة على 3 مناطق استراتيجية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة.


إنّ السيطرة على المناطق الثلاث كلها (بلدة هوليايبوله في الجنوب الشرقي، ومدينتَي بوكروفسك وميرنوهراد، الواقعتَين على بُعد نحو 60 ميلاً إلى الشمال الشرقي) من شأنها أن تمنح روسيا موطئ قدم حضرياً لإيواء القوات وتنظيم الإمدادات اللوجستية لعمليات هجومية مستقبلية، بالإضافة إلى ورقة ضغط جديدة في محادثات السلام التي تتوسط فيها الولايات المتحدة.
ويرى الخبراء، أنّ روسيا من غير المرجّح أن تحوّل هذه المكاسب سريعاً إلى توسّع إقليمي إضافي، نظراً إلى بطء تقدّم قواتها خلال العام الماضي. إلّا أنّ هذه المكاسب ستعزّز حجة موسكو القائلة إنّ تقدّمها البرّي، وإن كان بطيئاً، فهو حتمي، وإنّ أوكرانيا ستكون في وضع أفضل إذا تخلّت عن أراضٍ الآن في إطار صفقة، بدلاً من خسارتها لاحقاً في قتال دموي.

روسيا تحقق تقدّمات جديدة في الجنوب
أخطر اندفاع روسي يجري حالياً في منطقة زابورجيا جنوب شرقي البلاد. فبلدة هوليايبوله، التي شكّلت لسنوات جزءاً أساسياً من خط الجبهة، باتت شبه خاضعة للسيطرة الروسية، وفق خرائط ميدانية أعدّتها مجموعات مستقلة، وبحسب الضابط الأوكراني دميترو فيلاتوف.
وأوضح فيلاتوف، قائد الفوج الهجومي المنفصل الأول، في رسائل نصية الأسبوع الماضي، أنّ القوات الأوكرانية ما زالت تسيطر على بضعة مبانٍ داخل هوليايبوله: «غالبية البلدة باتت بالكامل تحت سيطرة العدو»، مشيراً إلى أنّ 95% من القوات الموجودة هناك روسية.
وكانت هوليايبوله، التي بلغ عدد سكانها قبل الحرب 12 ألف نسمة، واحدة من آخر المراكز الحضرية التي بقيت تحت السيطرة الأوكرانية في المنطقة خارج العاصمة الإقليمية، مدينة زابورجيا. وبعد هوليايبوله تمتد أراضٍ مفتوحة، ما يترك القوات الأوكرانية مع عدد محدود من المناطق المبنية التي يمكن التحصُّن فيها لعرقلة التقدّم الروسي. وعلى بُعد نحو 40 ميلاً غرب هوليايبوله، تقترب القوات الروسية من أطراف مدينة زابورجيا، وهي مركز صناعي يقطنه 700 ألف نسمة، ويشتهر بصناعة الفولاذ. وتُظهر الخرائط الميدانية أنّ قوات موسكو باتت على مسافة نحو 15 ميلاً من المدخل الجنوبي للمدينة. ويحذّر خبراء عسكريّون من أنّ أي تقدّم إضافي سيضع المنطقة ضمن مدى الطائرات المسيّرة الهجومية الصغيرة، ما سيعرّض السكان لهجمات جوية على مدار الساعة.
ويعزو محلّلون المكاسب الروسية في هذه المنطقة إلى ضعف الدفاعات الأوكرانية، في ظل تركيز كييف قواتها على الدفاع عن مدن في منطقة دونيتسك المجاورة. حتى هناك، تجد القوات الأوكرانية نفسها في وضع بالغ الصعوبة.

بوكروفسك وميرنوهراد على حافة السقوط
في دونيتسك، ركّزت أوكرانيا على الدفاع عن مدينتَي بوكروفسك وميرنوهراد، اللتَين كان عدد سكانهما معاً قبل الحرب يزيد على 100 ألف نسمة. وقد أسهمت عمليات نشر القوات هناك، إلى جانب استخدام متطوّر للطائرات المسيّرة، في إبطاء الهجمات الروسية إلى حدّ الزحف البطيء. وذكر تقرير صدر في كانون الثاني عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، أنّ القوات الروسية تقدّمت بمعدّل 230 قدماً فقط في اليوم، خلال هجومها الذي استمر عاماً ونصف العام على بوكروفسك وميرنوهراد.
وبحسب التقرير، لم تستولِ روسيا منذ عام 2024 إلّا على أقل من 1,5% من الأراضي الأوكرانية. كما قدّر المركز البحثي أنّ القوات الروسية تكبّدت نحو 415 ألف قتيل وجريح ومفقود خلال العام الماضي، في معارك تركّزت إلى حدّ كبير حول المدينتَين. ووفقاً للتقديرات نفسها، فقد بلغت الخسائر الروسية في ساحة المعركة منذ غزو أوكرانيا عام 2022 نحو 1,2 مليون بين قتيل وجريح ومفقود، أي ما يقارب ضعف خسائر أوكرانيا.
وعلى رغم من هذا الثمن الباهظ، تعتقد موسكو أنّها قادرة على الصمود أكثر من كييف في حرب استنزاف، معتمدةً على التجنيد المستمر لتعويض خسائرها. وقد دفعت روسيا مراراً بقوات جديدة إلى بوكروفسك وميرنوهراد. ولم تعُد سوى أجزاء صغيرة من أطراف المدينتَين محل نزاع.
وفي حال سيطرت روسيا بالكامل على هاتَين المدينتَين، يمكنها استخدامهما لإخفاء مشغلي الطائرات المسيّرة والاستفادة من الطرق والسكك الحديد، لتبسيط العمليات اللوجستية.

الهدف التالي: كوستيانتينيفكا
يعتقد خبراء عسكريّون، أنّ السيطرة على بوكروفسك وميرنوهراد ستمنح موسكو منصة انطلاق للتقدُّم شمالاً، ومتابعة هدفها المتمثل في السيطرة على كامل منطقة دونيتسك، التي تسيطر بالفعل على نحو ثلاثة أرباعها. وقد يكون الهدف الرئيسي التالي هو مدينة كوستيانتينيفكا، الواقعة على بعد 25 ميلاً إضافياً إلى الشرق. وتُعدّ كوستيانتينيفكا البوابة الجنوبية لسلسلة من المدن التي تشكّل آخر حزام دفاعي رئيسي لأوكرانيا في دونيتسك. وإذا سقطت المدينة، فإنّ جميع المدن الواقعة شمالها تقريباً ستصبح ضمن مدى الطائرات المسيّرة الروسية، كما ستتمكن موسكو من الوصول إلى طريق رئيسي يربط هذه المدن ببعضها.
وكشف قائد أحد الألوية الأوكرانية أخيراً، أنّ الاقتراب من كوستيانتينيفكا بات خطيراً، إلى درجة أنّ معظم مهام الإمداد إلى المدينة أُوكلت إلى مركبات تُشغّل من بُعد وتعمل بأسلوب يشبه الروبوتات.
وإذا واصلت القوات الروسية تقدّمها في ساحة المعركة، فمن المرجّح أن تواجه أوكرانيا ضغوطاً أكبر على الصعيد الديبلوماسي، بما في ذلك من الرئيس دونالد ترامب، الذي كرّر صدى حجة موسكو القائلة إنّ على أوكرانيا التخلي عن أراضٍ في إطار اتفاق سلام لتجنّب مزيد من القتال.

الأكثر قراءة